العلامة المجلسي

64

بحار الأنوار

ما لم ير مثله من اختلاف صور العالم من البهائم والطير إلى غير ذلك مما يشاهده ساعة بعد ساعة ويوما بعد يوم ، واعتبر ذلك بأن من سبي من بلد إلى بلد وهو عاقل يكون كالواله الحيران فلا يسرع في تعلم الكلام وقبول الأدب كما يسرع الذي يسبى صغيرا غير عاقل ، ثم لو ولد عاقلا كان يجد غضاضة إذا رأى نفسه محمولا مرضعا ، معصبا بالخرق ، مسجى في المهد لأنه لا يستغني عن هذا كله لرقة بدنه ورطوبته حين يولد ، ثم كان لا يوجد له من الحلاوة والوقع من القلوب ما يوجد للطفل فصار يخرج إلى الدنيا غبيا غافلا عما فيه أهله فيلقى الأشياء بذهن ضعيف ومعرفة ناقصة ، ثم لا يزال يتزايد في المعرفة قليلا قليلا وشيئا بعد شئ ، وحالا بعد حال ، حتى يألف الأشياء ويتمرن ( 1 ) ويستمر عليها ، فيخرج من حد التأمل لها والحيرة فيها إلى التصرف والاضطراب إلى المعاش بعقله وحيلته وإلى الاعتبار والطاعة والسهو والغفلة والمعصية ، وفي هذا أيضا وجوه آخر فإنه لو كان يولد تام العقل مستقلا بنفسه لذهب موضع حلاوة تربية الأولاد ، وما قدر أن يكون للوالدين في الاشتغال بالولد من المصلحة ، وما يوجب التربية للآباء على الأبناء من المكلفات ( 2 ) بالبر والعطف عليهم عند حاجتهم إلى ذلك منهم ، ثم كان الأولاد لا يألفون آباءهم ولا يألف الآباء أبناءهم لان الأولاد كانوا يستغنون عن تربية الآباء وحياطتهم ( 3 ) فيتفرقون عنهم حين يولدون فلا يعرف الرجل أباه وأمه ، ولا يمتنع من نكاح أمه وأخته وذوات المحارم منه إذا كان لا يعرفهن ، وأقل ما في ذلك من القباحة - بل هو أشنع وأعظم وأفظع وأقبح وأبشع - لو خرج المولود من بطن أمه وهو يعقل أن يرى منها مالا يحل له ولا يحسن به أن يراه . أفلا ترى كيف أقيم كل شئ من الخلقة على غاية الصواب ، وخلا من الخطأ دقيقه وجليله ؟ بيان : أفرأيت أي أخبرني ، قال الزمخشري : لما كانت مشاهدة الأشياء ورؤيتها طريقا إلى الإحاطة بها علما وصحة الخبر عنها استعملوا أرأيت بمعنى أخبر . انتهى . ويقال : ذوي العود أي يبس . والموؤود الذي دفن في الأرض حيا كما كان المشركون

--> ( 1 ) أي يتعود ويتدرب . ( 2 ) وفي نسخة : من المكافاة . ( 3 ) أي حفظهم وتعهدهم .